أعِرني أيّها الطفلُ عينَك؛ أرى بها الوجودَ بهيًّا، ناصعًا كما تراه..
أعِرني قلبكَ الصغير؛ آوي إليهِ من حرِّ الظهيرة، فقد ضاقت قلوبُ الناس على وسعِها بأن تؤويني..
أعِرني لهوَك والمرح، خيطان طيشِك والفرح..

أعِرني يداكَ الطريّتان؛ لأملّسَ بهما ناصيةَ الحزنِ العابرْ، وأمشّطَ ما تشابكَ من خصلاتِ التعبِ العالقِ والممدود..
أعِرني نظرتكَ الذابلةِ تلك؛ أنظر بها كما تنظر، أتخطّى كلّ الأبعاد..
أعرني مرآةَ روحكَ الواضحةَ الصافية؛ أبصر بها الكون أكثر عدلًا وإنصافا..
أعرني منكَ نسيانك، واجتيازكَ الحُرِّ الانسيابيّ..

أعرني قدميكَ الصغيرتين؛ لأتخطّى عتبةَ الغدِ الضيّق المنتظَر، وأعيشَ مثلك كما تعيش، في قلبِ اللحظةِ الاستثنائيّة..
أعرني جنونكَ كي أسافرَ دون قيد، دون خوفٍ أو تصنّع…
أعرني ضحكاتكَ البريئةَ العفويّة المعكوسةَ على سطحِ المِحَن..

أعرني حبّةَ الدمع البرّاقةِ تلك، تقفُ بلطفٍ على حافّةِ خدّكَ الناعمِ الدافئ؛ لتتسوّلَ بعضَ الرحمة من عالمنا الباردِ القاسي..
أعرني أيها الطفلُ لمستكَ الحانية على رأسِ أبيك، وضمّتكَ الفريدة تلك، تلقيها على صدرِ الزمان بكلِّ رفق،.. بلا حدودٍ أو تقطير..

أعرني أيها الطفل قلبكَ ولو لمرّة؛ أدقّق فيه وأجيل النظر.. لأعيد رسم خطواتي،
وأجدّد صياغةَ المعنى في دفترِ الحياة المهترئ..
أعرني صراخكَ عند المنحنى، وزلّةَ قدميكَ عند عتباتِ الوصول..
أعرني سقوطكَ والبكاء..
فلقد مللتُ الصمودَ طويلًا بغيرِ وقوع، ولقد مللتُ حدّةَ التماسكِ المرِّ الطويل،ِ وادّعاءِ عظمةِ القوّة…
أعرني ضعفكَ يا صغيري؛..
أمسّح به على جنباتِ الألمِ المبرح،
وأقتلعُ به ما تبقّى من أثرِ الأحزان المطويّة..

أعِرني أيّها الطفلُ روحَك،
وسِر بروحي بدلًا عنّي،
ولو لدقائقَ معدودات..
حتى تتعلّم أن تحذرْ،
أن تحتاطَ لئلّا تكبرْ..
أن تستبقَ رياحَ الوقتِ الزائفِ والمجنون..
حتى تفهمَ، أنّكَ لن تفهم.. دنيانا العجيبةِ تلك!..
لأنّكَ مفطورٌ على ماءِ النقاء…